شهر رمضان المبارك: حوار الروح والجسد في رحلة الإنسان نحو التوازن

يمثّل شهر رمضان المبارك محطة وجودية متجددة في مسار حياة الإنسان، تتجاوز مفهوم الامتناع عن الطعام والشراب لتغدو تجربة شمولية لإعادة بناء الذات.
ففي هذا الشهر، تُعاد توجيه بوصلة الروح، وتُصحَّح علاقة الجسد بذاته وبالعالم، ضمن منظومة متكاملة تستهدف تحقيق التوازن الإنساني الذي أضعفته أنماط الحياة الحديثة. إن شهر رمضان، بهذا المعنى، ليس طقساً زمانياً عابراً، بل فضاء تربوي تتلاقى فيه تغذية الروح مع تغذية الجسد في تناغم واعٍ.

أولاً: الصيام بوصفه ممارسة روحية هادفة

لا يُختزل الصيام في كونه انقطاعاً جسدياً عن المفطرات، بل هو عبادة ذات بعد تربوي عميق تهدف إلى تهذيب النفس وبناء التقوى.
وقد حدّد القرآن الكريم الغاية الصريحة للصيام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وتشير التقوى هنا إلى حالة من المراقبة الذاتية والوعي الأخلاقي، تُبنى من خلال الامتناع الطوعي عن المباحات، بوصفه تدريباً على ضبط الرغبات والقدرة على التحكم بالسلوك.
وبهذا المعنى، يتحوّل الصيام إلى أداة لتحرير الإنسان من أسر العادة وردود الفعل الغريزية، ونقله إلى مستوى الفعل الواعي المسؤول.

ثانياً: الصيام الجسدي من منظور علمي

من الناحية الطبية، يشكّل صيام شهر رمضان فرصة فسيولوجية لإعادة ضبط الإيقاع الحيوي للجسم، ولا سيما الجهاز الهضمي والتمثيل الغذائي.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن فترات الامتناع عن الطعام تحفّز عمليات حيوية مهمّة، أبرزها الالتهام الذاتي (Autophagy)، وهي آلية خلوية مسؤولة عن تنظيف الخلايا من المكونات التالفة وإعادة تدويرها.

كما تشير أبحاث في علم الأيض إلى أن الصيام المنضبط:
* يحسّن حساسية الإنسولين
* يقلّل من مؤشرات الالتهاب
* يساعد في تنظيم هرمونات الجوع والشبع.
غير أن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائياً، بل تتطلب وعياً غذائياً مصاحباً للصيام، يقوم على الاعتدال وجودة الغذاء، وهو ما ينسجم مع التوجيه القرآني الصريح: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.

ثالثاً: البعد النبوي في تنظيم الغذاء

تقدّم السنة النبوية نموذجاً عملياً متوازناً في التعامل مع الطعام خلال الصيام.
فقد ورد عن النبي (ص) أنه كان يفطر على تمرات وماء، وهو نمط غذائي أثبتت الدراسات الحديثة ملاءمته من حيث سرعة امتصاص السكريات الطبيعية وتجنّب الصدمة الهضمية.

كما وضع النبي (ص) قاعدة ذهبية في الاعتدال الغذائي بقوله: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًاً من بطنه…»، وهي قاعدة تتماشى بوضوح مع المفاهيم الحديثة في الوقاية من الأمراض الأيضية المرتبطة بالإفراط الغذائي.

رابعاً: نقطة الالتقاء بين الروح والجسد

يكمن جوهر الصيام الحقيقي في التكامل بين البعدين الروحي والجسدي؛ فخفّة الجسد الناتجة عن الاعتدال الغذائي تعين على صفاء الذهن والخشوع، في حين تعمل التقوى بوصفها رقيباً داخلياً يمنع الجسد من الانزلاق نحو الإسراف.
ولهذا جمعت المنظومة التعبدية في الإسلام بين الصيام والقيام، وبين الجوع والذكر، في رؤية شمولية لا تفصل بين الجسد والروح.
وقد أظهرت دراسات حول الصيام الديني أن صيام شهر رمضان، عند الالتزام بنمط غذائي متوازن، لا يشكّل خطراً صحياً على الأصحاء، بل قد يحقق فوائد نفسية وجسدية ملحوظة.

خامساً : شهر رمضان بوصفه مدرسة سنوية لإعادة الضبط

لا ينبغي النظر إلى شهر رمضان على أنه فترة حرمان مؤقت، بل بوصفه دورة تدريبية سنوية لإعادة ضبط العلاقات الأساسية في حياة الإنسان:

1. العلاقة مع الله عبر التقوى والعبادة.
2. العلاقة مع الجسد عبر احترام احتياجاته دون إفراط أو تفريط.
3. العلاقة مع النِعَم عبر الانتقال من الاستهلاك العشوائي إلى الوعي والشكر.

ويمثّل العيد تتويجاً لهذا المسار، لا بالعودة إلى العادات القديمة، بل بحمل ثمار الصيام إلى ما بعد رمضان في السلوك والغذاء ونمط الحياة.

وباختصار شديد:
إن شهر رمضان، في حقيقته العميقة، دعوة لإعادة التذكّر: تذكّر أن الإنسان كيان متكامل من روح وجسد، وأن الاكتفاء أعمق أثراً من الامتلاء، وأن الحرية الحقيقية تكمن في ضبط الرغبة لا في الانقياد لها.
وحين يلتقي غذاء الروح بغذاء الجسد في هذا الشهر المبارك، يخرج الصائم أكثر توازناً، وأكثر وعياً، وأقرب إلى جوهره الإنساني وربّه.

ختاماً، نسأل الله تعالى أن يجعل أيام هذا الشهر المبارك فرصة للتزكية والتوازن، وأن يتقبّل منّا ومنكم الصيام والقيام، وكل عام وأنتم بخير

مستشفى الإمام الحجة (عج) الخيري / إدارة التوعية الصحية

المقالات الجديدة