تأثير الصيام على صحة العظام: دليل شامل ومتوازن

يُعد الصيام، سواء كان دينياً كصيام شهر رمضان، أو صحياً كالصيام المتقطع، ممارسة شائعة لها تأثيرات متعددة على أجهزة الجسم المختلفة، بما في ذلك الجهاز العظمي. وتختلف هذه التأثيرات باختلاف نوع الصيام، مدته، عدد ساعات الامتناع عن الطعام والشراب، إضافة إلى الحالة الصحية العامة للفرد ونمطه الغذائي والحركي.
قد يكون للصيام دور داعم لصحة العظام عند تطبيقه بطريقة صحيحة ومدروسة، في حين قد يشكّل تحدياً حقيقياً إذا ترافق مع سوء التغذية أو قلة الحركة أو إهمال الترطيب.

فيما يلي عرض علمي متوازن لأهم تأثيرات الصيام المحتملة على صحة العظام:

📌 أولًا: التأثيرات الإيجابية المحتملة للصيام على العظام

1. تقليل الالتهاب المزمن
يساهم الصيام المتقطع في خفض بعض مؤشرات الالتهاب المزمن في الجسم. ونظراً لأن الالتهاب المزمن يُعد عاملًا مهماً في تطور أمراض مثل هشاشة العظام والتهابات المفاصل، فإن تقليله قد يساعد في حماية أنسجة العظام والغضاريف والمفاصل على المدى البعيد.

2. تحسين حساسية الإنسولين والتوازن الهرموني
أظهرت الدراسات أن الصيام قد يُحسن استجابة الجسم لهرمون الإنسولين، كما قد يحفّز إفراز هرمون النمو. ويُعد هذا التوازن الهرموني عاملاً داعماً لعمليات تجديد وبناء العظام، ما قد يساهم في الحفاظ على كثافتها وقوتها عند توفر التغذية المناسبة.

3. دعم صحة الجهاز الهضمي وتحسين امتصاص المغذيات
يوفر الصيام راحة مؤقتة للجهاز الهضمي، وقد يسهم في تحسين توازن الميكروبيوم المعوي. ويؤدي ذلك إلى تحسين امتصاص العناصر الغذائية الضرورية لصحة العظام، مثل الكالسيوم، المغنيسيوم، وفيتامين (D)، عند تناول غذاء متوازن خلال فترات الإفطار.

📌 ثانيًا: التأثيرات السلبية والتحديات المحتملة

1. خطر نقص العناصر الغذائية الأساسية
في حال عدم التخطيط الجيد لوجبات الإفطار والسحور، قد يعاني الصائم من نقص في عناصر حيوية مثل الكالسيوم، فيتامين (D)، فيتامين (K)، البروتين، والمغنيسيوم. ومع تكرار هذا النقص، قد تتأثر قوة العظام وتزداد قابلية الإصابة بهشاشتها.

2. الجفاف وتأثيره على المفاصل
يؤدي عدم شرب كميات كافية من السوائل بين الإفطار والسحور إلى الجفاف، ولو بدرجات خفيفة. ويؤثر ذلك سلباً على صحة الغضاريف المفصلية التي تعتمد على الترطيب للحفاظ على مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات.

3. قلة النشاط البدني
قد يقلل الإرهاق أو تغير نمط اليوم خلال الصيام من ممارسة النشاط البدني. ونظراً لأن العظام تحتاج إلى التحميل الميكانيكي الناتج عن الحركة والتمارين، فإن قلة النشاط قد تساهم في تراجع كثافة العظام مع الوقت.

📌 فئات تحتاج إلى حذر خاص أثناء الصيام

يُنصح بمزيد من الانتباه والتقييم الطبي قبل الصيام لدى الفئات التالية:
* كبار السن .
* مرضى هشاشة العظام
* مرضى اضطرابات الغدة الدرقية
* من يتناولون أدوية تؤثر على العظام مثل الكورتيزون
* من لديهم نقص مزمن في فيتامين (D)

📌 متى يكون الصيام غير مناسب؟

قد لا يكون الصيام خياراً آمناً في بعض الحالات، مثل:
* هشاشة العظام المتقدمة
* فترة ما بعد الكسور الحديثة
* حالات سوء التغذية الواضحة
إلا بعد تقييم طبي فردي وتعديل الخطة الغذائية والدوائية بشكل مناسب.

📌 نصائح عملية للحفاظ على صحة العظام أثناء الصيام

1. تخطيط غذائي متوازن
* الكالسيوم: الحليب ومشتقاته، الخضروات الورقية الداكنة، اللوز.
* فيتامين (D): الأسماك الدهنية، صفار البيض، والتعرض المعتدل لأشعة الشمس.
* البروتين: عنصر أساسي لبناء العظام؛ يُنصح بإدراجه في وجبتي الإفطار والسحور (بيض، بقوليات، دجاج، أسماك).

2. ترطيب كافٍ ومنتظم
شرب ما لا يقل عن 8–10 أكواب من الماء موزعة بين الإفطار والسحور، مع تقليل المشروبات المدرة للبول مثل القهوة والشاي المركز والمشروبات الغازية.

3. نشاط بدني مناسب
ممارسة المشي أو التمارين الهوائية الخفيفة بعد الإفطار، مع إدخال تمارين المقاومة الخفيفة (تمارين وزن الجسم أو أوزان خفيفة) لدورها المهم في الحفاظ على كثافة العظام.

4. التخطيط والاستشارة الطبية
يُنصح بالتخطيط المسبق للوجبات، واستشارة الطبيب أو أخصائي التغذية في حال وجود أمراض عظمية أو استخدام أدوية قد تتأثر بالصيام.

📌 الخلاصة

يمكن أن يكون الصيام عاملاً داعمًا لصحة العظام من خلال تقليل الالتهاب وتحسين التوازن الهرموني، إلا أن الصيام بحد ذاته ليس هو العامل الحاسم.
إنما يكمن التأثير الحقيقي في جودة التغذية، كفاية الترطيب، واستمرارية الحركة والنشاط البدني.
الصيام ليس خطراً على العظام، لكن سوء التغذية وسوء التخطيط أثناء الصيام هما الخطر الحقيقي.

تمنياتنا بالصحة والسلامة للجميع
د. مهدي عبد الصاحب
اختصاص جراحة العظام والكسور

المقالات الجديدة